ابن عطاء الله السكندري
72
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
مدين رحمه اللّه تعالى : « الحق ممد والوجود مستمد ، والمادة من عين الجود فلو انقطعت المادة انهدم الوجود » . وكلامه هذا مستمد من قول اللّه تعالى : أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 15 ) [ ق : 15 ] . فعلى الإنسان أن يداوم على شكر اللّه تعالى الذي أنعم عليه حسا ومعنى ، قال اللّه تعالى : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [ لقمان : 20 ] وقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « أحبّوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه » « 1 » ونعمه تعالى الظاهرة هي : كل ما فيه بقاء أجسادنا من غذاء ولباس ومسكن ، ونعمه الباطنة هي : كل ما فيه تزكية نفوسنا وتطهير قلوبنا وتفتّح عقولنا وترقّي أرواحنا . فالحمد للّه الذي حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا ، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، قال اللّه تعالى : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً [ الحجرات : 7 ، 8 ] . الحكمة التاسعة عشرة « 2 » « لا يخاف عليك أن تلتبس الطّرق عليك ، وإنّما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك » . شرح الحكمة : هذه الحكمة تتحدث عن أمرين : الأول عدم الخوف على المسلم من خفاء الطرق الموصلة له إلى مولاه عزّ وجل ، والثاني الخوف على السائر إلى اللّه تعالى من أن يتبع هواه . وقبل الشروع في شرح هذه الحكمة لا بد من تفسير معنى الهوى لأن فهم معناه يسهل علينا فهمها . الهوى : مصدر هواه إذا أحبه واشتهاه وجمعه الأهواء ، ثم سمي به المهوي المشتهى محمودا كان أو مذموما ، ثم غلب على غير المحمود ، فيطلق على من زاغ عن طريقة أهل السنة والجماعة وكان من أهل القبلة فيقال : فلان اتبع هواه . وعرّف الهوى أيضا : بأنه الميل إلى الشهوات والمستلذات من غير داعية الشرع ، وبأنه ميل النفس إلى ما يلائمها من الشهوات ، وإعراضها عما ينافرها ، وقد يطلق الهوى ويراد به مطلق الميل والمحبة ليشتمل على الميل للحق وغيره ، وقال الشعبيّ رحمه اللّه تعالى وهو من التابعين : إنما سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه .
--> ( 1 ) رواه الترمذي عن ابن عباس وصححه حديث رقم ( 3789 ) . ( 2 ) ورقمها ( 107 ) في النص الكامل للحكم .